أبي حيان الأندلسي

252

البحر المحيط في التفسير

أي بين الخير وبيني ، ويكون قولهم : وَإِنَّا لَصادِقُونَ كذبا في الإخبار ، أوهموا قومهم أنهم إذا قتلوه وأهله سرا ، ولم يشعر بهم أحد ، وقالوا تلك المقالة ، أنهم صادقون وهم كاذبون . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه ؟ قلت : كأنهم اعتقدوا إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله ، فجمعوا بين البياتين ، ثم قالوا : ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ، فذكروا أحدهما كانوا صادقين ، فإنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما . وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ، ولا يخطر ببالهم . ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي اللّه ، ولم يروا لأنفسهم أن يكونوا كاذبين حتى سوّوا الصدق في أنفسهم حيلة ينقصون بها عن الكذب ؟ انتهى . والعجب من هذا الرجل كيف يتخيل هذه الحيل في جعل إخبارهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ إخبارا بالصدق ؟ وهو يعلم أنهم كذبوا صالحا ، وعقروا الناقة التي كانت من أعظم الآيات ، وأقدموا على قتل نبي وأهله ؟ ولا يجوز عليهم الكذب ، وهو يتلو في كتاب اللّه كذبهم على أنبيائهم . ونص اللّه ذلك ، وكذبهم على من لا تخفى عليه خافية ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ « 1 » ، وهو قولهم ، وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ « 2 » ، وقول اللّه تعالى : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ « 3 » ، وإنما هذا منه تحريف لكلام اللّه تعالى ، حتى ينصر مذهبه في قوله : إن الكذب قبيح عند الكفرة ، ويتحيل لهم هذا التحيل حتى يجعلهم صادقين في إخبارهم . وهذا الرجل ، وإن كان أوتي من علم القرآن ، أوفر حظ ، وجمع بين اختراع المعنى وبراعة اللفظ . ففي كتابه في التفسير أشياء منتقدة ، وكنت قريبا من تسطير هذه الأحرف قد نظمت قصيدا في شغل الإنسان نفسه بكتاب اللّه ، واستطردت إلى مدح كتاب الزمخشري ، فذكرت شيئا من محاسنه ، ثم نبهت على ما فيه مما يجب تجنبه ، ورأيت إثبات ذلك هنا لينتفع بذلك من يقف على كتابي هذا ويتنبه على ما تضمنه من القبائح ، فقلت بعد ذكر ما مدحته به : ولكنه فيه مجال لناقد * وزلات سوء قد أخذن المخانقا فيثبت موضوع الأحاديث جاهلا * ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا ويشتم أعلام الأئمة ضلة * ولا سيما إن أولجوا المضايقا

--> ( 1 ) سورة الطارق : 86 / 9 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 23 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 24 .